(1)

كل صباح ٍ
أفكر أنه الآن.

سأقوم الآن وأبدّل ملابسي
اختارُ كتاباً
أصنع شايا وأشربه
أحشو جيبي بالنقود
وأترك ورقة لمن يهمه الأمر
على طاولة السفرة ْ

ذلك أنه في صباحٍ عاديٍ
في يوم عاديّ
في منتصف الأسبوع
أكون فيه عادةً في المدرّج
أستمع إلى تمثال نصفي
يشرح دورة حياة التماثيل النصفية
أو مصلوب على عمودي الفقريّ
أتأمل صنيع المخلوقات اللامرئية
بمهندس الكوكب
سأكون عند البحر
أبلل قدمي بالماء
وأكتبُ

كل صباحٍ.
تذوي روحي على حافة المدرّج
أتقيأ روحي على باب المدرّج
ثم أسير فارغا بقية اليوم.

(2)

قال الشاعرُ
_الذي يرغب في أن أكون شاعراً_
” كم شاعرا تقابل في الطريق؟
إذن، كم طبيباً تفكر فيه حين تسعل فجأة؟
لا مقارنة يا صديقي
انضم إلى القبيلةِ
لا تنضم إلى الجميع”

يقول أبي
_الذي يفضل أن أكون طبيباً_
“الأطباء ينامون مبكراً
ويأكلون الخُضَر
الأطباء مهذبون وحليقو اللحية ووسيمون
كن طبيباً
ثم كن بعدها أي شيء آخر “

يقول المعنيّ بالأمر
_الذي يفضل أن يكون الآن نائماً على ظهره
يبلل رأسه الموج _:
” دعوني الآن قليلا”

(3)

عليّ أن أذاكرُ شيئا
عن كرات الدم الحمراء
بينما أكتب ذلك.

كرات الدم الحمراء
التي كان من الممكن أن يخلقها الله بنفسجية ْ
فيسير الناس في الطريق
بوجنات زرقاء..
وتلمع عيونهم بضوء داكن ٍ
وينزفون من جروحهم الصغيرة
بقعاً بنفسجية مبهجة.

كان سيقول الشعراء:
آه يا قلوبنا البنفسجية ْ
يا شقيقات الورد البنفسجي
وكان سيكون بابا ضخما
في كتاب أمراض الدم
ذلك الذي يحكي عن كرات الدم البنفسجية.
ولا أكون الآن متوترا
من أي كرات حمراء في هذا الكون
ستهرول ورائي كالذنب الصغير
صاعداً في القصيدة.

كرات الدم الحمراء
التي لوكان الناس يشترون القصائد
كعلب الدواء
المكدسة في الدرج وفوق الكومودينو
لكنت الآن
لا أعرف عنها أي شيء
ولا أودّ
فقط أذهب إلى البحر
أغمرُ قدمي في الماء
وأكتبُ.

(4)

حين أكتبُ الشعر
حين أدرك أنني أكتبُ الشعر
حين أفكر أنني أدرك أنني أكتب الشعر
فيندفع الضوء الأزرق
في الشعيرات الدموية الكثيفة
في رأسي
وأتحسس اللذة التي تتصاعدُ كمنسوب النهر
إلى حافة القلب السفلى
ثم تغمره تماما

فأعرفُ يقينا
أنني قبلا لم أكن أعلمُ من اللحظة
لم ركب الله بين رئـتيّ قلبا
ثم قال: عِشْ.

(5)

الشاعرُ
هوالذي تفوته كل المحطات
ليصل إلى محطة واحدة
لم يقصدها
فيقفز إليها بغتة.

الراكب في القطار الخطأ
إلى المدينة الخطأ
ويلوح للناس في شوق من النافذة.

المتمني في روحه
لو تتحول الساعات إلى آنية للسمك
يروح ويجيء فيها الوقت بسَكِينة
فلا يخاف من الفقد.

الشاعرُ ..
وددت لو أقابله
سأصافحه وأشدّ على يديه
أطلب توقيعه
ثم اكتب هاتفه على راحتي
الشاعر
الذي لا يشبه الشعراء
الذين لا يشبه كل منهم الآخر
أفكر فيه كثيرا
كلما فكرت في أحدهم
يسافر إلى الإسكندرية صباحا
بدلا من المدرّج
يبلل قدميه
ويغني.

(6)

أريد أن أذهب إلى البحر
هذا فقط ما أطلبه من الجميع
لا تخافوا
لن يصابَ أحد بسرطان الرئة
لن تصابوا بالجذام
لست طبيبا.
فقط دعوني أذهب إلى البحر.

903 total views, 3 views today