مُنى
يا فندق النور الصغير، الواقف قرب البحر
احكِ لي:

 

(1)

أين يخبئ الله اللعَبَ يا منى؟
كلما مررت على الفتارين الملآنة بالأكياس الملونة المكتنزة بالعربات والجنود والغابات، أفكرُ أن أمرر قبضتي في الزجاج وأفرق الأكياس المُترِبة على الناس.
أمنح كل واحدٍ ما لم ينله وقتَ حلم به. وقت ينحتُ النوال في الروح.
سأحتفظ لي بكيس الجنود الصغيرة.
لن أدفنهم في الثلج، لن أعلّقهم على الأسلاك الشائكة من بزّاتهم،
سأرتّبهم هكذا حولي كالدموع الخضراء الصغيرة:
أخبرهم أن الحرب قد انتهت.
وعاد كل الجنود إلى بيوتهم البعيدة، سهروا مع الأهل وارتدوا ملابس النوم.
فيلقي جيشي أسلحتهم المنمنمة، يخلعون الخوذات ويفتحون ستراتهم
يجلسون على الأرض وينحبون كاليتامى.
كل هؤلاء الغزاة، كل هؤلاء القتلة، كل هؤلاء الملعونين.
كلهم يا منى كلهم
طريدو مستودع اللعب.

 

(2)

في الطريق إلى المسجد، الذي يشبه قلعة قديمة، مرت قافلة ٌ طويلة سوداء من الدراجات البخارية، قافلة طويلة من الخوذات المعتمة وتوقفوا كلهم قبل أن أعبر الطريق.
تقدم قائدهم وخلع خوذته، قال دون أن يرمش:
نحن خائفون جدا.
كنت خائفٌُ أنا الآخر، ولم يكن هناك ثمة شيءٌ أخر ننظر إليه أنا وهو
سوى المسجد الذي يشبه قلعة قديمة، تشبه تلك التي أراها في المرآة قبل أن أهذّب لحيتي.

 

(3)

عند صديقِ، أذاكرُ وأسمع الجارات يضحكن وأرى البرج من الشرفة.
أمامي شحنة كبيرة من الحقائق، حقائق.. حقائق ..حقائق، الطب: جذع الشجرة الضخم ينهض لتسّاقط من فروعه الحقائق.

الحقائقُ:
مريض القلب يحتاج لفراشة ضخمة تُودع برفق بين رئتيه، مريض العينين ينتظر مطرا صباحيا، ينقرُ على الجبهةِ، مريض الكبد نغرس في كبده زهرة، مريض الزهايمر يحتاج إلى قبلة مفاجئة في شفتيه، قبلة عميقة وطويلة، تضحك الجارات، أفكر في قاعات البرج المضاءة كثقوب متتابعة، أفكر أنها هنا أفضلُ كثيرا، من هناك..فوق. في شرفاتها البعيدة.
كل شيء من هنا والآن أفضل كثيرا، كوبري قصر النيل، منى، البرج، شرفة الجارات، حقائقُ حقائقُ حقائقُ، أنا لا أريد الحقائق، أنا أريد ظلها الطويل على قلبي.

 

(4)

أنا أفكر في المصاعد الخاوية، التي تفتح أبوابها فجأة ًللا أحد، ترنُ، تغلق وتنزل، في الوحشة التي تطفر من هاتفي، وتنساب من فتحاته، أصحو أجد حوله بركة صغيرة، فأعرف أن بالأمس، في مكان ما،رفع أحد الهاتف إلى أذنه وبكى.أنا موجَعٌ من الشجر البعيد في آخر الحديقة، لا يراه أحد سوى السور، أريد أن أراه، أريد أن أنقش عليه اسمي، الذي لن يراه هناك أحد، ولكني أخاف من الظل، ومن الغسق، وأخاف من المصاعد، الخاوية، التي تفتح أبوابها فجأة للا أحد، ترنُ، تغلق وتنزل.

 

(5)

هل حكيت لكِ عنه؟
كان يوقظ أعداءه الذين يجدهم فرادى في المخابئ.
يحك أنوفهم بعود فول جاف، فيفتحون عيونهم ببطء ثم ينتفضون بحثا عن البنادق.
كان يعرف أن الجنود الأعداء لديهم الكثير من الحكايات الحميمة، مثل جنود كتيبته، الذين يجلسون الآن فوق، في حلقة مع الملائكة على العشب.
لذلك كان يجلس، ويتركهم يفرغون حناجرهم المملوءة بالحكايات، الحكايات التي كانت تتساقط قطرة قطرة داخل حناجرهم الصلدة، منذ بداية الحرب، إلى حد أن أصواتهم كانت تلين شيئا فشيئا فتصير قرب النهاية لدنة كأصوات الأطفال.

عزاهم في إخوتهم وأمهاتهم.
يتأوه حين يسمع أخبارا مؤسفة ويضحك بشدة حين يحكي أحدهم طرفة ما، كان يقدم لهم الماء والخبز والنصيحة، ثم يقوم وينفّض ثيابه ويثقب رؤوسهم برصاصة مفردة.
بعد الحرب، حين وجدوا الجثة، كانت عِدّته متناثرة حوله: عود الفول الجاف وكيس الخبز وقربة الماء، لكن على ما يبدو لم يسمح له أحد بإفراغ حنجرته التي بدت صلدة وناتئة، كان ذلك وحشيا، مات وحنجرته تتسرب منها الحكايات حول رأسه، تلك التي سمعها من الجميع، وانتظر طويلا طويلا، أن يمد له أحدهم قربة الماء وبعض الخبز فيحكي له عن كل هؤلاء الأصدقاء.

 

(6)

منى
يا فندق النور الصغير
هل سمعتِني؟

 

910 total views, 3 views today