بعدما ارتطمت عظامُنا بالحديد
وقبضاتُنا بالأسمنت..
بعدما ارتطم صراخُنا مباشرةً بالموت
وارتطم بنا الموت
ثم ارتدّ..
بعدما لدغ أنوفَنا الدخان
وكوَت عيوننا الكراهيةُ
وانسكبت، وكوت وجناتنا..
وسعلت رئاتنا السكينةَ
متخثّرةً و فاسدة
تمددنا في “التحرير”
تمددنا و فردنا أذرُعنا وسيقاننا
و بكينا، و غسلت دموعنا الأسفلت
و نبت من شقوقه الياسمين الكثيف
ثم نمنا، ثم متنا في الليل
ثم قمنا في الصباح ذاهلين
مرتبكين بالملكية الشاسعة الجديدة
بعدما.

بعدما انقض علينا المشوهون والغيلان
بعدما تسلل إلينا في الليل،
المذبوحون ومفقوئو الأعين ومهشمو الفكوك
ونزّت تجاهنا، البنايات العدوة
دمها الثخين الداكن..
بعدما نبحت الكلابُ الطليقة
والكلاب الحبيسة
وأنكرنا الأهل والقاعدون
تحسس كل منا وجه أخيه..
بكينا وتحسسنا وجوه بعض..
هنا أم هناك؟
بعدما حاربنا على المداخل
همج العالم وبعوث الجحيم السفلي
بعدما نسينا غرفاتنا الدافئة
بعدما أغمضنا وسلمنا في الذهن، للمرة الأخيرة، على الأهل و البيوت..
صنعنا منجنيقاً، على كتف “عبد المنعم رياض”
لنحمي البقعة المضيئة الأخيرة..
و شحنّاه بالأكباد والرئات والصراخ الناشف..
فتحنا أرواحنا على أرواح بعض
لتتنقّل الثورة محميّةً بين الصفوف
من جبهة إلى جبهة
من جثةٍ إلى منتظر
من اليمين إلى اليسار، ومن الأمام إلى الخلف
من الموت إلى الميدان
ومن الميدان إلى الموت
بعدما..

بعدما نمنا تحت السماء المحدّقة
بعين واحدة في وجوهنا
وخلدنا إلى النوم، بين ركبتيّ دبابة..
وحلمنا بالموج، يتوالى يتوالى، دون جزر
بعدما رفضنا التراجع
إلى الحدود القديمة..
ورسّمنا حدودنا بالأظافر..
بعدما سار فينا الميدان
إلى ميادينه البعيدة
وجلس وتمدد واتسع
بعدما سمعنا دبيب الأقدام
وراء المتاريس، فاحتشدنا
ثم ارتخت قبضاتنا على الحجارة
واستقبلنا القادمين، ولوّحنا لهم
بجباه مشجوجة وأذرع مُجَبّرة
ابتسمنا بشفاه مبتورة
وأسنان مثلومة..
بعدما.

بعدما..
بعدما..
استيقظ الطاغية مذعوراً في الصباح
وتحسس عنقه
فتذكر أنه بالأمس
فرّ من القاهرة.
بعدما يفتح الجريدة
فيرى وجوهنا
مغبرّة ومنهكة
قاسية ومنتصرة.

 

2 فبراير 2011 _ 12 فبراير 2011

509 total views, 2 views today